الشيخ محمد رشيد رضا

428

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وآياته في الجماد والنبات والحيوان ، والهواء والماء والبخار ، والغازات التي تتركب منها هذه المواد وغيرها ، وسنن النور والكهرباء ، والهيئة الفلكية ، ومن أصاب منهم حظا من هذه العلوم فإنما أخذه عن الإفرنج أو تلاميذهم المتفرنجين فكان مقلدا فيه لهم لا مستقلا ، ولم يتجاوز طريقتهم في البحث عن منافع هذه الأشياء لأجل الانتفاع بها في هذه الحياة الدنيا ، من غير ملاحظة كونها آيات دالة على أن لها ربا خالقا مدبرا عليما حكيما ، مريدا قديرا رحيما ، يجب أن يعبد وحده ، وأن يخشى ويحب فوق كل أحد ، وأن تكون معرفته والزلفى عنده ورجاء لقائه في الآخرة منتهى كل غاية من الحياة ، ولو قصد أولئك العلماء هذا من العلم لأصابوه فان الأمور بمقاصدها و « انما الأعمال بالنيات » ولكنهم غفلوا عنه ، لتعلق ارادتهم بما دونه ، ولهذا كان علمهم على سعته ناقصا أقبح نقص ، وكان الانتفاع به مشوبا بضرر عظيم باستعمال ما هداهم اليه العلم من خواص الأشياء في الحرب وآلات القتال ، التي تدمر العمران وتسحق الألوف الكثيرة من البشر في وقت قصير - وبهذا يصدق على هؤلاء العلماء الذين استعملوا عقولهم وأبصارهم وأسماعهم في استنباط حقائق العلوم ونفعها المادي العاجل ما يصدق على الذين أهملو استعمالها ، وآثروا الجهل على العلم بها ، من قوله عز وجل : أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أي أولئك الموصوفون بما ذكر من الصفات السلبية كالأنعام من إبل وبقر وغنم في كونهم لاحظ لهم من عقولهم ومشاعرهم إلا استعمالها فيما يتعلق بمعيشتهم في هذه الحياة الدنيا ، بل هم أضل سبيلا من الانعام لأن هذه لا تجني على أنفسها بتجاوز سنن الفطرة وحدود الحاجة الطبيعية في أكلها وشربها ونزوانها ، بل تقف فيه عند قدر الحاجة التي تحفظ بها الحياة الشخصية والنوعية ، وأما عبيد الشهوات من الناس فهم يسرفون في كل ذلك اسرافا يتولد منه أمراض كثيرة يقل فيهم من يسلم منها كلها ، ومن الناس من يجاهد هذه الشهوات جهادا يفرّط فيه بحقوق البدن فلا يعطيه الغذاء الكافي ، ويقصر في حقوق الزوجية ، أو يقطع على نفسه طريقها بالرهبانية ، فيجني على شخصه وعلى نوعه بالتفريط كما يجني عليهما عبيد اللذات بالافراط ، دع الجناية على الاخلاق